Friday, 29 July 2011

الرئيس دكتور البرادعي

الرئيس محمد البرادعي


المصدر:


التاريخ: 17 مارس 2011

ليس محمد البرادعي اسماً فقط لمعارضٍ مصريٍّ ترأَس الوكالةَ الدوليةَ للطاقة الذرية، بل أَيضاً مسمّى ظاهرةٍ نادرةِ الحدوثِ في وقائعِ السياسةِ في العالم، تُحرِّض على التأَمل فيها، لفرادتِها وأَسبابِ الحيرة فيها، فالرجل، لأَقلَّ من عامين، لم يجهرْ بأَيِّ موقفٍ من النظامِ في بلادِه، ولم يُعرَفْ أَنَّه صاحبُ رأْيٍ خاص بشأْنِ ذلك النظام، بالنظرِ إلى موقعِه الدوليِّ ذاك، وفرضَ عليه عدمَ النُّطقِ بشيءٍ عن أَيِّ بلد، ولأَنَّه دبلوماسيٌّ عتيق في الخارجية المصرية، ثم في بعثةِ بلادِه في الأُمم المتحدة، قبل التحاقِه بالوكالةِ الدوليةِ مستشاراً ثم مديراً مساعداً وتالياً رئيساً لها، وتخلل مسارَه هذا عملُه أُستاذاً في جامعة نيويورك. وسيرةٌ كهذه، وفيها اغترابٌ طويلٌ في أميركا وأُوروبا، لا يصيرُ متوقعاً من صاحبِها أَنْ يكون متصلاً بتفاصيلَ معيشيةٍ في بلدِه، ولا يُؤاخَذُ على ذلك، ولا على ما قد يتَّصفُ بهِ من برودٍ في النظرِ إِليها، ولا يصيرُ مطلوباً منه أَنْ يكونَ مناضلاً في التطلعِ إلى التغيير. عاكسَ محمد البرادعي (67 عاماً) ذلك، فما أَن اقتربت نهايةُ رئاستِه الوكالة الدولية، حتى صار اسمُه يروجُ في أَوساط المعارضةِ المصريةِ مدعواً إلى الترشح للرئاسة، الأَمر الذي كان إعلانه اشتراطاتٍ له أَول علاماتِ الإِدهاش في حالتِه. ومن منزلِه في فيينا، بعيْدَ خروجِه من منصبِه الدولي، أَعطى محمد البرادعي أَحاديثَ صحافية مطولة، كان باهراً فيها وباعثاً على إعجابٍ بشخصِه، ومدهشاً في معرفته التفصيلية بالأحوال الاجتماعية والمعيشية والتعليمية في مصر، فتبدّى أَنَّ لديه رؤيةَ سياسيةَ، قوامُها الديمقراطية مقرونة بالعدالة الاجتماعية، ضمن مشروعٍ للنهوض بمصر، يتطلعُ إلى أَن تكونَ في مقدمةِ الدول علمياً وسياسياً وتنموياً.

أَسابيعُ، ثم نصبحُ أَمام معارض مصريٍّ جديد ذي طرازٍ خاص، تنجذبُ إِليه نخبٌ واسعةٌ في بلادِه، وشرائحُ اجتماعيةٌ غيرُ قليلةٍ. وفي الأَثناء، يرهنُ البرادعي ترشحه لرئاسةِ مصر بتعديلاتٍ في الدستور تلغي القيودَ عن كل مصريٍّ يريدُ التنافس في السباقِ الديمقراطيِّ إلى الموقعِ الأَول في الدولة، والتفَّت حوله فاعلياتٌ لها احترامها في الحقل السياسي المصري، فتشكلت «الجمعية الوطنية من أجل التغيير»، وأُعطي زعامتها. وصار للرجل أَنصارٌ بآلافِ الآلافِ بين الشبابِ المصري، نشطوا في ترشيحِه للرئاسة، وكان تكتلهم أَحدَ ثلاثِ مجموعاتٍ شبابيةٍ أَطلقت شرارةَ ثورة 25 يناير التي كان البرادعي أَحد أَهمِّ إعلامها، وهو الذي ظلَّ يُلحُّ منذ شهورٍ على سقوط شرعية نظام حسني مبارك، وفي أَثناءِ الثورة، كانت إطلالاتُه الإعلامية على قدرٍ كبيرٍ من الجذريّة والثباتِ المدهش.

من البلاهةِ أَنْ يُورِّط المرءُ نفسَه في نقاشٍ مع ما أَشاعه صغارٌ أَنَّ البرادعي ممن ساعدوا في تدميرِ العراق، بسببِ تقاريرِه لمجلس الأَمن عن أَسلحة دمارٍ شامل هناك، فلم تنطقْ تلك التقارير بغيرِ ما انتهى إِليه المفتشون، والذين أَعلن البرادعي أَنهم لم يلحظوا نشاطاتٍ نووية غير مشروعة، ما كانَ من ذرائعِ معارضةِ واشنطن ولايةً ثالثةً له لرئاسةِ الوكالةِ الدولية، ودلَّ إخفاقُها في ذلك على أَنَّ الإِرادةَ الأميركية في العالم ليست قضاءً وقدراً. ومع نجاحِ الثورة، وإِسهامِه المشهودِ فيها، نتابعُ براعةً للبرادعي في تظهيرِه البرنامج الذي يراهُ الأَنسب لانتقال مصر إلى نظامٍ ديمقراطيٍّ حديث، فيعارضُ الاكتفاءَ بتعديلاتٍ في الدستور يراها معيبةً، ويطرحُ جدولاً زمنياً لعله الأَصلح راهناً لمصر.

يرى الصحافي إِبراهيم عيسى ثلاثةَ مشروعات لنهوض مصر، التنموي لفاروق الباز والعلمي لأَحمد زويل والسياسي لمحمد البرادعي. ويرى أَصدقاءُ أَنَّ البرادعي الأَنسب لرئاسةِ مصر في انعطافتِها الانتقالية المقبلة، إذا لم تأْخذ البيئةُ السياسيةُ المنشودةُ وقتَها لتظهيرِ القوى المتنوعةِ والجديدةِ فيها. وفي القناعتين الوجيهتين، ما يزيد الحيرة والإدهاش معاً، بشأن ظاهرةٍ شديدةِ الاستثنائيةِ اسمُها محمد البرادعي، وهذا ربما اسمُ رئيس مصر المقبل.

No comments:

Post a Comment